⚡ الفضفضة الربانية
دعنا نبدأ بالحقيقة التي لا نحب سماعها، ولا نحب الاعتراف بها:
أنت متعب… لأنك تحمل ما لم يُطلب منك حمله أصلًا.
أنت منهك، لأنك عشت سنوات تتصرف كأنك الإله الصغير لحياتك.
تحمل الواقع.
تحمل المستقبل.
تحمل الأخطاء.
تحمل النتائج.
تحمل الناس.
تحمل الخوف.
وتحمل نفسك فوق نفسك.
وهذا ليس خطأً إداريًا.
ولا خللًا نفسيًا عابرًا.
هذا خلل وجودي عميق…
خلل في فهم موقعك من الله.
---
أنت لست حامِلًا… أنت محمول
اسمع هذه الآية بوعي جديد، لا بوعي حافظ:
> ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾
📌 https://quran.com/17/70
لم يقل: وأمرناهم أن يحملوا أنفسهم.
لم يقل: وتركناهم يواجهون الطريق وحدهم.
لم يقل: وطلبنا منهم السيطرة والتدبير الكامل.
قال كلمة واحدة…
كلمة تهدم كل وهم بنيته في داخلك:
حَمَلْنَاهُمْ.
الله هو الذي يحمل.
في البر… حيث الطريق واضح.
وفي البحر… حيث لا أرض، ولا سيطرة، ولا ضمانات.
وأنت؟
أنت محمول.
لكن المأساة النفسية تبدأ في اللحظة التي تنسى فيها أنك محمول…
فتبدأ تحمل.
---
من هنا يبدأ الانهيار النفسي
حين تعيش بعقلية أنا الحامل، ستنهار… ولو بعد حين.
لأنك تحمل ما لا طاقة لك به.
وتطالب نفسك بما لم يُطالبك الله به.
وتضع الحمل على ظهرك،
بينما الله جعله عن ظهرك.
ولهذا جاء الدعاء الصادق الفطري، لا بوصفه دعاء ضعف، بل دعاء وعي:
> ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾
📌 https://quran.com/2/286
هذا ليس كلامًا يُتلى…
هذه استغاثة وجودية.
استغاثة من إنسان تعب لأنه نسي أنه محمول.
والفرق بين إنسان يحمل…
وإنسان محمول…
هو الفرق بين الاختناق والطمأنينة،
بين الانهيار والانشراح،
بين القلق والسلام.
---
الفضفضة الربانية: لحظة إنزال الحِمل
الفضفضة مع الله ليست كلامًا جميلًا.
وليست طقسًا روحيًا ناعمًا.
الفضفضة مع الله هي عملية إنزال حمولة.
أن تقول له بصدق، دون لغة رسمية، دون تجميل:
يا رب…
أنا حملت أكثر مما أطيق.
أنا شلت فوق ظهري ما ليس لي.
أنا تعبت من دور لم أُخلق له.
تعبت من محاولة إصلاح نفسي وحدي.
وتعبت من محاولة حمل حياتي وحدي.
وتعبت من محاولة السيطرة.
ثم…
ترمي.
ترمي همّك.
ترمي خوفك.
ترمي فشلك.
ترمي عجزك.
ترمي نفسك.
أين؟
في بحر القدرة الإلهية.
في القبضة التي لا تفلت.
> ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾
📌 https://quran.com/39/67
إذا كانت الأرض بكل ثقلها في قبضته…
فما الذي تحمله أنت؟
ولماذا تُصرّ أن تحمل؟
---
التحول النفسي الصاعق: من حامِل إلى محمول
في اللحظة التي تنتبه فيها أنك محمول…
يتغير كل شيء.
يتغير مركز الثقل.
يسقط الضغط.
ينكسر القلق.
تشعر براحة غير مفسَّرة.
بخفة حقيقية.
كأن ظهرك تنفّس لأول مرة منذ سنوات.
وهذا ليس هروبًا من المسؤولية.
هذا وضع المسؤولية في مكانها الصحيح.
أنت تسعى… نعم.
تعمل… نعم.
تجتهد… نعم.
لكن لا تحمل.
لأن الحمل ليس وظيفتك.
وظيفتك أن تُلقى محمولًا.
---
هنا تُفهم الفضفضة الربانية بعمقها الحقيقي
الفضفضة مع الله ليست فقط إخراج كلام.
هي إعلان داخلي صريح يقول:
أنا لست الإله.
أنا لست القادر.
أنا لست المتحكم.
أنا عبد…
ومحمول.
ولهذا، بعد التفريغ، بعد الرمي، بعد الإنزال…
تطلب بلا سقف.
بلا خجل.
بلا خوف.
لأنك تطلب وأنت في حضن القدرة،
لا أمام امتحان.
> ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
📌 https://quran.com/2/186
قريب…
أي يحمل قبل أن تطلب.
ويقيمك قبل أن تنهض.
ويفرح منك إذا طلبت.
وفي الحديث الصحيح:
> «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي أَنْ يَرُدَّ يَدَيْ عَبْدِهِ صِفْرًا»
📌 https://dorar.net/h/4c5c7c0a3a7f9c4e
اطلب أقصى شيء.
بدون حجر.
بدون خوف.
بدون عقلية الممكن…
اطلب القادر القاهر.
---
الفقر إليه غنى… لأن المحمول لا يقلق
الفقر إليه ليس ضعفًا.
الفقر إليه هو أن تعرف أنك محمول.
قال ابن عطاء الله السكندري:
> «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك»
📌 الحِكم العطائية
وقال ابن القيم:
> «متى ألقيت نفسك بين يدي الله كفاك الله كل شيء»
📌 مدارج السالكين
---
الخاتمة: الإعلان النهائي
يا إنسان…
أنت لم تُخلق لتحمل.
أنت خُلقت محمولًا.
فارمِ.
وزحزِح.
وأنزل الحمل عن ظهرك.
ألقِه في بحر القدرة.
وفي القبضة التي لا تفلت.
ثم امشِ…
خفيفًا.
مطمئنًا.
مستندًا.
حاشا الكريم الودود
أن يترك عبدًا
فهم أنه محمول
فارتمى بكله.
حاشا…
وألف حاشا.
---

تعليقات
إرسال تعليق