👑 وقار الرجولة

 


حين يكتمل الرجل بالوقار

ليس الوقار ثوبًا داكنًا، ولا وجهًا عابسًا، ولا صمتًا متكلفًا يثقل به الرجل على من حوله؛ وإنما هو طمأنينة تسكن النفس، ثم يظهر أثرها في العين والصوت والحركة والكلمة.

فالوقور لا يطلب من الناس أن يهابوه، ولكنهم يجدون في حضرته ما يدعوهم إلى احترامه. لا يرفع صوته ليُسمع، ولا يكثر الحركة ليُرى، ولا يقاطع الآخرين ليثبت أنه أفهم منهم؛ لأن من استقر قدره في نفسه لم يحتج إلى أن يعلنه في كل مجلس.

والرجل قد يملك علمًا كثيرًا، وذكاءً حاضرًا، ولسانًا فصيحًا، ثم تذهب محاسنه في عجلة انفعاله، وكثرة التفاته، ومبالغته في الضحك والإشارة، واستعجاله الرد قبل تمام الكلام. ورب كلمة صحيحة أفسدها ارتفاع الصوت، ورأي سديد أضعفته الحدة، وشخصية كريمة نقص من جمالها أنها لم تتعلم بعدُ فن السكون.

وقد قال الحكماء: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة. وليس المراد أن يعيش الإنسان جافًّا لا يبتسم، أو ثقيلًا لا يؤنس جليسه؛ فالبشاشة من حسن الخلق، والمزاح اللطيف ملح المجالس، لكن الملح إن جاوز قدره أفسد الطعام.

الوقار أن تعرف لكل مقامٍ مقالًا، ولكل مجلسٍ قدرًا، ولكل إنسانٍ حقه في أن يتكلم ويُسمع.

الوقار قوة خفية

كان الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، إذا جلس لتحديث الناس تهيأ، ولبس أحسن ثيابه، وتطيب، وجلس في سكينة. ولم يكن يصنع ذلك تعظيمًا لنفسه، وإنما تعظيمًا للعلم الذي يحمله. وقد وصفه من رآه بأنه كان مهيبًا من غير سلطان؛ فلا جيش يحرسه، ولا منصب يفرض احترامه، وإنما علمٌ استقر في قلب، وتقوى ظهرت في هيئة، وصمت عرف الناس أن وراءه عقلًا كبيرًا.

وكان إذا كلمه الرجل أصغى إليه، ثم أجابه بجواب قليل واضح. لا يبعثر الكلمات، ولا يستهلك المعاني، ولا يزاحم الناس بنفسه.

وهكذا تكون الهيبة الصادقة: لا تأتي من السيطرة على المجلس، بل من السيطرة على النفس.

وربما ظن بعض الناس أن سرعة الرد دليل الذكاء، وأن كثرة التعليق دليل الحضور، وأن المبالغة في حركة الوجه واليدين تزيد الكلام قوة. والحقيقة أن المعنى القوي لا يحتاج إلى هذا كله. الكلمة إذا خرجت من نفس ساكنة نزلت في مكانها، أما إذا خرجت من نفس مضطربة ضاعت قوتها في ضجيج صاحبها.

الحليم ليس باردًا

وكان الأحنف بن قيس من أشهر العرب حلمًا ورزانة. فسأله قوم كيف بلغ هذه المنزلة من الحلم، فقال ما معناه: إني أجد من الغضب مثل ما تجدون، ولكني أصبر.

لم يكن الأحنف خاليًا من المشاعر، ولا عاجزًا عن الرد؛ بل كان يشعر بالغضب، ثم لا يسمح للغضب أن يتكلم باسمه.

وفي إحدى القضايا اجتمع قوم يتنازعون في أمر دية، فتركهم يتكلمون حتى فرغوا. لم يقاطعهم، ولم ينازعهم أثناء حديثهم، ولم يحاول أن يغلب أصواتهم بصوته. فلما سكتوا تكلم بكلمات قليلة، بيّن لهم فيها عاقبة ما قرروه، فرجعوا إلى رأيه.

وهذه هي الرزانة: أن تنصت حتى تفهم، ثم تتكلم حين يصبح للكلام موضع؛ لا أن تدخل كل حديث، وتجيب عن كل كلمة، وتتعامل مع المجالس كأنها ساحة لإثبات الذات.

الرجل الرزين لا يسأل نفسه فقط: ماذا أقول؟ بل يسأل قبل ذلك: هل يحتاج المقام إلى أن أقول؟ وهل هذا هو الوقت المناسب؟ وهل يمكن أن أقول المعنى نفسه بكلمة ألطف وصوت أخفض؟

هيبة الرجل في اقتصاده

من جمال الرجل أن يكون مقتصدًا في كل شيء: في كلامه، وضحكه، وغضبه، وحركاته، وظهوره.

ليس كل ما يعرفه يُقال، ولا كل ما يخطر في نفسه يُحكى، ولا كل موقف يستحق تعليقًا، ولا كل اعتراض يستوجب معركة. وبعض الرجال يكبرون في أعين الناس لأنهم يعرفون متى يصمتون، وبعضهم يصغرون وهم يحاولون في كل لحظة أن يثبتوا أنهم كبار.

الوقور لا يعبث بيديه في المجلس، ولا يكثر الالتفات، ولا ينشغل بهاتفه والمتكلم أمامه، ولا ينتزع أطراف الحديث من أفواه الناس. إذا استمع استمع بكليته، وإذا تكلم اختار عبارته، وإذا اختلف بقي أدبه أكبر من خلافه.

وخفض الصوت ليس ضعفًا، كما أن رفعه ليس قوة. قد يكون أهدأ القوم صوتًا أثبتهم حجة، وقد يكون أكثرهم صخبًا أقلهم يقينًا. إن القوة التي تحتاج دائمًا إلى الصياح قوة قلقة، أما القوة الواثقة فغالبًا ما تتكلم على مهل.

الوقار لا يلغي الروح الجميلة

ليس المقصود أن يتحول الشاب إلى صورة جامدة، لا يضحك ولا يمزح ولا يتفاعل. فقد كان خيار الناس يمازحون ويبتسمون ويؤنسون جلساءهم، ولكنهم لم يكونوا يُعرفون بالهزل، ولم يجعلوا المزاح طبيعتهم الغالبة، ولم يطلبوا الضحك ولو على حساب كرامة أحد.

جميل أن تكون بشوشًا، ولكن الأجمل أن تعرف متى تسكن.

جميل أن تكون حاضرًا، ولكن الأجمل ألا تستحوذ على الحضور.

جميل أن تكون متحدثًا لبقًا، ولكن الأجمل أن تكون مستمعًا كريمًا.

وجميل أن تعبر بجسدك ووجهك، ولكن بقدر يخدم المعنى، لا بقدر يجعل الحركة أعلى من الكلام.

فالفرق كبير بين رجل خفيف الروح ورجل خفيف العقل. الأول محبوب، مؤنس، لطيف المؤونة؛ والثاني تستفزه الكلمات، وتخطفه اللحظة، ويعيش أسيرًا لانفعاله.

رحلة الوقار

الوقار ليس صفة يولد بها أناس ويحرم منها آخرون؛ بل هو خلق يمكن أن يتعلمه الإنسان، حتى يصبح طبعًا فيه.

يبدأ بأن يمنح نفسه لحظة قبل الرد.

وأن يخفض صوته درجة حين يحتد المجلس.

وأن يترك المتكلم يتم كلامه.

وأن يقلل من الحركات التي لا حاجة لها.

وأن يجعل ضحكه جميلًا لا صاخبًا، ومزاحه لطيفًا لا غالبًا، وحضوره هادئًا لا مستعرضًا.

ومع الأيام تتغير هيئة الرجل؛ فيشعر الناس معه بالأمان، ويطمئنون إلى حكمه، ويثقون بكلمته، ويحسبون لسكوته حسابًا؛ لأنه لا يتكلم إلا إذا كان للكلام قيمة.

إن أجمل ما يلبسه الرجل بعد مكارم الأخلاق هو الوقار. فهو تاج لا يُشترى، وهيبة لا تحتاج إلى منصب، ونور داخلي يعلن أن هذا الإنسان قد تعلم كيف يملك نفسه.

فما ارتفع رجل بكثرة صوته، ولا عظم بكثرة حركته، وإنما يعظم الرجال بقدر ما في نفوسهم من سكينة، وفي عقولهم من رزانة، وفي مجالسهم من أدب.

وحين يهدأ كل شيء في الرجل، تبدأ هيبته في الكلام.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

📚 مغناطيس الأرزاق

🕋 (فقه الحج وتيسيراته) د.أحمد خالد العطاس

⚡ الفضفضة الربانية