🌤أول طريق الكمال ألا تظن أنك كامل

 


لا تجعل المرآة خصمًا

حين يرى فيك المربّي ما لا تراه في نفسك⁉️

ليس أعظم نعمةٍ على طالب العلم أن يجد من يخبره بما يجهل من المسائل، بل أن يجد من يُبصِّره بما يجهل من نفسه.

فالمعلومات قد تحملها الكتب، والمعارف قد تفيض بها المجالس، ولكن معرفة الإنسان بنفسه، وكشف ما استتر فيها من العيوب، وإخراجها من أسر عاداتها، ونقلها من صورةٍ اعتادتها إلى صورةٍ تليق بما أودع الله فيها من الاستعداد؛ ذلك عملٌ آخر، لا تنهض به الكتب وحدها، ولا تكفي فيه كثرة القراءة، وإنما يحتاج إلى عينٍ خبيرة، وقلبٍ رحيم، وعقلٍ حكيم، ومربٍّ يرى في تلميذه ما لا يراه التلميذ في نفسه.

قد يرى الطالب نفسه متواضعًا، ويرى المربّي في تواضعه رغبةً خفية في الثناء.

وقد يظن نفسه صريحًا، ويرى أستاذه في صراحته خشونةً وقلة مراعاة.

وقد يحسب كثرة كلامه فصاحة، ويرى المربّي فيها استعجالًا وحبًّا للظهور.

وقد يسمي دفاعه المستمر عن نفسه قوة شخصية، بينما يرى الحكيم وراءه نفسًا تخاف الاعتراف، ولا تحتمل أن تُراجع.

وقد يتوهم أن اندفاعه شجاعة، وأن حساسيته رقة، وأن صمته وقار، وأن انعزاله زهد؛ بينما تكشف عين التربية أن تحت الأسماء الجميلة نقائص دقيقة لا يبصرها صاحبها، لأنه ينظر إلى نفسه من داخلها، والمربّي ينظر إليها من خارجها، ثم ينفذ بخبرته إلى ما وراء ظاهرها.

ولهذا قال ابن عطاء الله السكندري:

«تشوُّفك إلى ما بطن فيك من العيوب خيرٌ من تشوُّفك إلى ما حُجب عنك من الغيوب».

فليس أعظم الكرامة أن يُكشف لك شيء من غيب العالم، وإنما الكرامة الحقيقية أن يُكشف لك شيء من غيب نفسك: عجبها، وكبرها، وخوفها، وتعلّقها بصورة الكمال، وحبها أن تكون مصيبةً دائمًا، وممدوحةً دائمًا، ومقبولةً دائمًا.

المعلّم الذي يضيف إليك، والمربّي الذي يعيد بناءك

هنالك فرق بين من يعلّمك معلومة، ومن يربّيك على أن تصبح أهلًا للعلم.

المعلّم قد يصحح عبارتك، أما المربّي فيصحح الدافع الذي أنشأ العبارة.

المعلّم يريك الخطأ في جوابك، والمربّي يريك الخلل في طريقة تفكيرك.

المعلّم يزيد ما في ذاكرتك، والمربّي يعيد ترتيب ما في شخصيتك.

المعلّم قد يمنحك أداة، أما المربّي فيمنع يدك من إساءة استعمالها.

ولذلك كان العلم عند أئمة التربية أوسع من مجرد انتقال المعارف؛ فقد جعل الإمام الغزالي أول وظائف المتعلم تطهير النفس من رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، لأن العلم في حقيقته عمارةٌ للقلب، وليس مجرد ازدحام للمعلومات في الذهن.

إنك لا تدخل على المربّي صفحةً بيضاء، بل تدخل عليه وفيك تاريخ طويل من العادات، والدفاعات النفسية، والحيل التي اصطنعتها لحماية صورتك أمام نفسك وأمام الناس. وربما كنت شديد الذكاء في تبرير أخطائك، حتى أصبحت قدرتك على التبرير أكبر من قدرتك على التغيير.

وهنا تبدأ وظيفة التربية: أن ينقذك المربّي من ذكائك حين يصبح خادمًا لهواك، ومن فصاحتك حين تتحول إلى ستار، ومن علمك حين يصير وسيلةً للترفع، ومن صلاحك حين يجعلك راضيًا عن نفسك.

ولهذا قال ابن عطاء الله:

«ولأن تصحب جاهلًا لا يرضى عن نفسه خيرٌ لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه».

فالرضا عن النفس يغلق أبواب الزيادة، أما الشعور بالحاجة إلى التكميل فهو أول الطريق إلى الكمال.

لماذا نتألم حين يكشف المربّي عيوبنا؟

لأن الإنسان لا يدافع عن أخطائه وحدها، بل يدافع عن الصورة التي بناها عن نفسه.

حين يقول لك أستاذك: أنت متعجل، لا تسمع كلمةً واحدة، بل تسمع في باطنك: الصورة التي صنعتها لنفسك ليست كاملة.

وحين يقول لك: في حديثك شيء من الاستعلاء، قد لا تناقش الملاحظة نفسها، وإنما تهبّ لحماية هويتك: أنا لست متكبرًا!

وحين يصحح لك المربّي تصرفًا أمامك، قد تشعر أن مكانتك قد نقصت، مع أن الذي نقص ليس قدرك، وإنما الوهم الذي حال بينك وبين معرفة نفسك.

وقد صاغ علم النفس الحديث معنى قريبًا من ذلك فيما يُعرف بـ«المنطقة العمياء» في نافذة جوهاري: وهي الصفات والسلوكيات التي يلاحظها الآخرون في الإنسان، بينما لا يدركها هو عن نفسه. فالإنسان مهما بلغ من الذكاء لا يستطيع أن يرى ظهره بلا مرآة، ولا أن يكتشف جميع أنماطه السلوكية بلا تغذية راجعة صادقة.

والمربّي الصادق مرآة؛ فلا تكسر المرآة لأنها أرتك بقعةً على ثوبك، ولا تتهمها بالقسوة لأنها لم تجاملك.

والمشكلة ليست في أن يكون فيك نقص؛ فالنقص وصف البشرية، وإنما المشكلة أن تغضب ممن دلّك عليه، فتختار راحة الصورة على شرف الحقيقة.

حين يتغير أسلوب المربّي معك

قد يربيك الحكيم بالثناء في موضع، وبالصمت في موضع، وبالسؤال في موضع، وبالتكليف في موضع، وبالمنع في موضع، وبالحزم في موضع آخر.

ربما حرمك من كلمة مدحٍ تنتظرها؛ لأنه رأى نفسك تتغذى على المديح.

وربما أعادك إلى عملٍ تراه صغيرًا؛ لأنه يريد أن يعالج فيك استعجال الصدارة.

وربما لم يجبك عن سؤال في اللحظة التي سألت فيها؛ لأنك تطلب الجواب فضولًا لا استعدادًا.

وربما أوقفك عند خطأ يسير؛ لأنه يعلم أن الصغير إذا أُهمل اليوم صار غدًا طبعًا مستحكمًا.

وربما اشتد في عبارة، لا احتقارًا لك، بل لأن العبارة اللينة لم تعد توقظك.

وفي تراث التربية إشارة إلى أن المربّي قد يحتاج إلى تجاوز الشفقة التي تمنعه من الإصلاح؛ فقد ذكر ابن عجيبة أن شيخ التربية لا ينبغي أن تستولي عليه شفقةٌ تحمله على ستر عيب المريد وترك معالجته. وليس معنى ذلك سقوط الرحمة، وإنما معناه أن الرحمة الحقيقية ليست تدليل الإنسان على حساب مستقبله.

فالطبيب الرحيم لا يترك الدواء المر لأن المريض لا يستسيغه، ولكنه أيضًا لا يؤلم المريض عبثًا، ولا يجرحه ليبرهن على قوته.

وكذلك المربّي: لا يداهن عيبك، ولا يتلذذ بكسر قلبك.

إنه قد يكسر فيك الكِبر، لكنه لا يكسر كرامتك.

ويحارب غرورك، لكنه لا يحتقر إنسانيتك.

ويمنع عنك ما يفسدك، لكنه لا يستعبد إرادتك.

ليس كل اشتدادٍ تربية

وهنا لا بد من ميزان بالغ الدقة؛ لأن بعض الناس قد يتخذ اسم التربية ستارًا لسوء الخلق، أو التحكم، أو الإهانة.

ليس كل من رفع صوته مربيًا.

وليس كل من أوجعك حكيمًا.

وليس كل من طالبك بالطاعة أهلًا لها.

فالمربّي الصادق لا يعالج عيبًا فيك بعيبٍ أكبر منه، ولا يصلح تواضعك بإذلالك، ولا يربيك على الصدق بالخداع، ولا يدعوك إلى الله وهو يربط قلبك بشخصه.

وقد جعل الغزالي من وظيفة المعلّم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، وأن يستخدم التعريض ما أمكن؛ لأن المقصود إصلاح النفس، لا هتكها، وإيقاظها، لا التشهير بها. كما ألزم المعلّم بالشفقة على طلابه، والعمل بعلمه، وألا يناقض فعله قوله.

وتؤكد دراسات التعلّم الحديثة أن التغذية الراجعة من أقوى المؤثرات في التعليم، لكنها قد تكون نافعة أو ضارة بحسب مضمونها وطريقة تقديمها؛ فالنقد الذي يوضح المهمة والسلوك وطريق التحسن أنفع من الكلام الذي يهاجم ذات المتعلم وشخصه.

فالحزم شيء، والإيذاء شيء آخر.

الحزم يوضح لك خطأك، أما الإيذاء فيوهمك أنك أنت الخطأ.

الحزم يفتح أمامك باب الإصلاح، أما الإهانة فتغلق عليك باب الرجاء.

الحزم يبني استقلالك، أما الاستغلال فيريدك تابعًا ضعيفًا.

الحزم مرتبط بمصلحة المتعلم، أما التسلط فمرتبط بحاجة المتسلط إلى السيطرة.

وكل طاعة للمربّي إنما تكون في المعروف؛ فالأصل الشرعي المحكم: «إنما الطاعة في المعروف»، و«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

فالتسليم الكامل إنما يكون لله وللحق، أما الشيخ والمعلّم والمربّي فيُحسن الظن به، ويُعرف فضله، ويُتلقى عنه في المعروف، ولا تُمنح العصمة لبشر بعد الأنبياء.

كيف يتلقى الطالب تربية أستاذه؟

حين يواجهك مربّيك بما تكره، فلا تجعل أول عملك الدفاع عن نفسك، بل اسألها بهدوء:

لماذا آلمتني هذه الملاحظة؟

هل لأنها غير صحيحة حقًّا، أم لأنها أصابت موضعًا لا أحب رؤيته؟

هل أنا أبحث عن الحق، أم أبحث عن الانتصار لصورتي؟

هل أريد من الشيخ أن يربّيني، أم أريده أن يوافقني ويمنحني ختم الكمال؟

لا تتعجل الحكم على الطريقة قبل أن تتأمل ثمرتها.

ولا تزن كلام المربّي بشعور اللحظة وحده؛ فكثير من الدواء يُكره عند تناوله، ثم تُعرف قيمته بعد ظهور أثره.

وقد شبّه الغزالي المتعلم بالمريض بين يدي الطبيب الحاذق، ودعاه إلى التواضع لمعلمه والإذعان لنصيحته، لأن خبرة المرشد قد تطلعه على دقائق لا يراها المبتدئ. وفي الوقت نفسه جعل من حق العالم أن يكون قائمًا بأمر الله؛ فقال في الأثر الذي أورده: «وعليك أن توقره وتعظمه لله تعالى ما دام يحفظ أمر الله تعالى».

فالأدب ليس إلغاءً للعقل، ولكنه تخليصٌ للعقل من نزق النفس.

وحسن الظن ليس عمًى، ولكنه امتناع عن إساءة التأويل قبل التثبت.

والصبر ليس قبولًا للظلم، ولكنه قدرة على احتمال مشقة التغيير.

والتسليم التربوي ليس عبوديةً للشيخ، بل استعدادٌ صادق لأن تُقاد إلى خيرٍ لم تكن نفسك لتختاره ابتداءً.

لا تجعل مَن جاء ليكمّلك خصمًا

من أعجب أحوال النفس أنها تستدعي المربّي لتتغير، فإذا بدأ بتغييرها خاصمته!

تطلب منه الصدق، فإذا صدق معك غضبت.

وتطلب منه أن يعرّفك بعيوبك، فإذا عرّفك بها قلت: أساء فهمي.

وتطلب منه أن يأخذ بيدك إلى مرتبة أعلى، فإذا طلب منك ترك بعض طباعك قلت: إنه لا يقبلني كما أنا.

والحقيقة أن المربّي يقبلك كما أنت إنسانًا، لكنه لا يرضى أن تبقى كما أنت خُلقًا وسلوكًا.

ولو رضي عن جميع أحوالك، وصفق لكل تصرفاتك، وفسر كل عيب فيك تفسيرًا جميلًا؛ لكان صاحبَ تسلية لا صاحبَ تربية.

إن بعض الناس لا يبحثون عن مرشد، وإنما يبحثون عن شاهدٍ يوقّع لهم شهادة الكمال التي كتبوها لأنفسهم.

أما طالب التكميل الصادق، فإنه يفرح بمن يفتح له نافذةً على نفسه، ولو دخل منها في البداية هواء بارد؛ لأنه يعلم أن الغرفة المغلقة قد تكون دافئة، ولكنها لا تكون صحية.

وقد قال ابن عطاء الله:

«لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله».

فالصحبة النافعة هي التي تنهض بك، لا التي تتركك أسيرًا لما ألفته. إنها تزيد بصيرتك، وترفع همتك، وتكسر فيك وثن الرضا عن النفس، وتدلك على الله بسلوك صاحبها قبل كلامه.

وذكر السهروردي أن الطالب ينبغي ألا يدخل في صحبة الشيخ حتى يعلم أنه أهلٌ لتأديبه وتهذيبه، وأن المحبة والتآلف هما الواسطة التي تُهيئه للانتفاع. فالثقة لا تُمنح بلا تمييز، لكنها إذا تأسست على المعرفة والأهلية صارت من أعظم أبواب التأثر والتكميل.

هديةٌ مغلّفة بما تكره

يا طالب العلم، ويا تلميذ الحكمة، ويا مريد التكميل:

ليس كل من مدحك محبًّا لك، ولا كل من راجعك منتقصًا منك.

قد يكون الذي أرضاك اليوم قد سرق منك فرصةً للنمو، ويكون الذي أوجعك بالحق قد وهبك مستقبلًا أجمل.

فإذا رزقك الله معلّمًا صادقًا، عالمًا بما يقول، عاملًا بما يعلم، خبيرًا بالنفوس، رحيمًا في مقصده، حكيمًا في طريقته؛ فاعرف له قدره، ولا تجعل ملاحظته إهانة، ولا صمته هجرًا، ولا حزمه عداوة، ولا منعه حرمانًا.

احمل كلامه أولًا على إرادة الخير، ثم فتشه بصدق في نفسك.

وإن ظهرت لك حكمته فاشكره، وإن خفيت عنك فتمهّل، وإن أشكل عليك فاستوضح بأدب، وإن تبين لك خطؤه فاحفظ له فضله، ولا تمنحه عصمةً لم يجعلها الله إلا لأنبيائه.

وافرح بمن يدلّك على عيبٍ تستطيع إصلاحه؛ فإن العيب الذي تعرفه باب، والعيب الذي تجهله جدار.

وافرح بمن يحررك من الصورة الصغيرة التي ألفتها عن نفسك؛ فربما رأى فيك المربّي إنسانًا أعظم مما تراه أنت، ولذلك لم يرض لك بالبقاء في منزلتك القديمة.

إنه لا يحاربك، وإنما يحارب ما يحول بينك وبين أكمل صورةٍ يمكنك أن تبلغها.

فلا تجعل المرآة خصمًا.

ولا تطلب من المربّي أن يزين لك القيود التي جاء ليفكها.

ولا تهرب من يدٍ صادقةٍ تمتد إليك لتنتشلك من بعض نفسك إلى خير نفسك.

فرب كلمةٍ ضاقت بها نفسك ساعةً، اتسعت بها حياتك أعوامًا.

ورب منعٍ حسبته حرمانًا، كان حماية.

ورب حزمٍ ظننته قسوة، كان رحمةً بعيدة النظر.

ورب مربٍّ لم يعطك ما تحب، لأنه كان مشغولًا بأن يجعلك ممن يحب الله ويرضى.

فطوبى لمن رزقه الله من يبصّره بنفسه، ثم رزقه قلبًا متواضعًا يقبل البصيرة، ونفسًا شجاعةً تحتمل جراحة الإصلاح، وعقلًا ناضجًا يميز بين حزم التربية وظلم التسلط.

فأول طريق الكمال ألا تظن أنك كامل، وأعظم أبواب الترقّي أن تفرح بمن يريك الطريق الذي بقي عليك أن تقطعه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

📚 مغناطيس الأرزاق

🕋 (فقه الحج وتيسيراته) د.أحمد خالد العطاس

⚡ الفضفضة الربانية